عربي ودولي

أزمة مخزونات الطاقة تتفاقم: أميركا تستنزف احتياطيها و”الطاقة الدولية” تلوّح بطرح إضافي

تتجه أزمة مخزونات الطاقة العالمية نحو مرحلة أكثر حساسية، بعدما تراجع الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي للنفط إلى أدنى مستوى له منذ عام 1982، في وقت تكشف فيه رويترز أن واشنطن تحث الاتحاد الأوروبي على السحب من مخزونات الديزل الاحتياطية، بينما تفتح وكالة الطاقة الدولية الباب أمام مناقشة طرح كميات إضافية من احتياطياتها الاستراتيجية إذا استمر الضغط على أسواق المشتقات.

 

والمشكلة لم تعد مقتصرة على خام النفط وحده، بل امتدت إلى المشتقات البترولية، وفي مقدمتها الديزل الذي يدخل في الزراعة والشحن والتصنيع، ما يجعل أي تصعيد فيه أقرب إلى القارئ العادي من أي رقم آخر: ارتفاع كلفة نقل البضائع ومدخلات الإنتاج ينعكس لاحقاً على أسعار السلع في الأسواق المستوردة للطاقة، ومنها أسواق عربية. فالمخزونات الاستراتيجية التي بُنيت أصلاً كخط دفاع أخير ضد صدمات الإمداد باتت اليوم محل تفاوض سياسي بين الدول الكبرى، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل أوسع: ماذا يحدث حين تنضب “شبكات الأمان” هذه في آن واحد؟

 

 

 

الاحتياطي الأميركي عند حافة السقف القانوني

 

 

يقوم الاحتياطي الاستراتيجي للنفط على فكرة بسيطة: مخزون حكومي طارئ تحتفظ به الدول لمواجهة انقطاع الإمدادات.

 

 

 

 

ووفق رويترز، وافقت الولايات المتحدة في آذار/مارس على إقراض 172 مليون برميل من احتياطيها، ضمن اتفاق أوسع مع نحو 30 دولة عضواً في وكالة الطاقة الدولية يقضي بسحب 400 مليون برميل إجمالاً في أعقاب الحرب مع إيران. وتستعد واشنطن الآن لسحب 40 مليون برميل إضافية، وهي آخر دفعة من ذلك الاتفاق، بعدما كانت قد عرضت الكمية ذاتها في حزيران/يونيو من دون أن تقترض الشركات حينها سوى نحو 500 ألف برميل فقط.

 

 

 

وتراجع الاحتياطي الأمريكي إلى أقل من 284 مليون برميل، وهو الأدنى منذ عام 1982، بعدما أفرج الرئيس دونالد ترامب عن كميات كبيرة منه إثر الحرب مع إيران، تماماً كما فعل سلفه جو بايدن بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. ويحظر القانون الأمريكي على الرئيس الأمر بعمليات سحب اعتيادية إذا هبط المخزون دون 252.4 مليون برميل، وإن كانت صلاحية الإفراج عنه في حالات الطوارئ الكبرى تبقى قائمة.

 

 

 

وقال كريس رايت، وزير الطاقة الأميركي، إن الولايات المتحدة واليابان أوفتا بالتزاماتهما، مضيفاً أن “عدداً من الدول الأوروبية الأعضاء لم تسحب سوى جزء ضئيل من النفط الخام والمنتجات البترولية التي تعهدت بها”.

 

 

 

واشنطن تُصدّر الضغط إلى أوروبا

 

 

بحسب مصدرين مطلعين لم تكشف رويترز هويتهما، حثّ البيت الأبيض الاتحاد الأوروبي على السحب من مخزونات الديزل الاحتياطية لخفض الأسعار العالمية.

 

ويأتي ذلك في ظل أسعار قياسية: بلغ سعر البنزين في المحطات الأميركية نحو 4.45 دولار للجالون، بارتفاع يقارب 50 بالمئة منذ اندلاع الحرب أواخر شباط/فبراير، فيما قفز سعر الديزل نحو 70 بالمئة ليسجل مستوى قياسياً يقارب 6.50 دولار للجالون.

 

وتحوّل ذلك إلى معضلة سياسية للرئيس ترامب والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في تشرين الثاني/نوفمبر، لا سيما في الولايات الزراعية حيث يُعد الوقود عنصراً حاسماً في الزراعة ونقل البضائع والتصنيع. وتدرس الإدارة الأمريكية خيارات تتراوح بين حث دول أخرى على السحب من مخزوناتها، وتقييد صادرات الديزل الأمريكية، والتنسيق مع شركات التكرير لزيادة الإمدادات المحلية. ولم يرد البيت الأبيض على طلبات التعليق.

 

 

 

وكالة الطاقة الدولية: الباب مفتوح على مزيد من السحب

 

 

وكالة الطاقة الدولية، التي تضم نحو 30 دولة مستهلكة للطاقة وتنسّق سياسات أمن الإمدادات بينها، لم تستبعد تصعيداً إضافياً. وقال فاتح بيرول، مدير الوكالة، للصحفيين في دبلن قبيل اجتماع وزراء طاقة الاتحاد الأوروبي: “نراقب الأسواق عن كثب، لا سيما أسواق منتجات مثل الديزل وغيرها. وسنناقش بالطبع مع الدول الأعضاء اتخاذ الخطوات اللازمة إذا دعت الحاجة”.

 

وهذا التصريح، وإن جاء حذراً في صياغته، يؤشر إلى أن الوكالة تترك الباب مفتوحاً أمام احتمال طرح احتياطيات إضافية إذا استمر تصاعد أسعار المشتقات.

 

في المقابل، رفض بيرول التعليق على مقترحات ألمح إليها إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، وآخرون بشأن طرح مزيد من الاحتياطي الاستراتيجي لخفض أسعار النفط، ما يشي بتباين في المواقف داخل الدول الأعضاء نفسها حول حجم التدخل المطلوب.

 

 

 

ولم يتضح بعد الحجم الإجمالي الذي سحبته دول الاتحاد الأوروبي حتى الآن من التزاماتها، إذ يُشار إلى أن مساهمات دول التكتل تأتي غالباً في صورة منتجات مكررة لا نفط خام — وهو ما يجعل مساهمتها في تهدئة أزمة الديزل تحديداً محدودة الأثر مقارنة بالسحب الأمريكي من الخام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى