كيف حوّلت “القوات اللبنانية” الصروح التربوية إلى ساحات للبلطجة؟
بالتفاصيل.. هذا ما فعلته "القوات اللبنانية" في حرم جامعة الـ (USJ)

يُقال إنّ التاريخ لا ينسى، وإنّ ما لا يُعالج من الماضي قد يعود بأشكال مختلفة في الحاضر. في لبنان، حيث لا تزال الحرب الأهلية ومحطاتها الدامية حاضرة في الذاكرة الجماعية؛ تمامًا كحضور عرابها في معراب، تثير كلّ حادثة تهديد أو ترهيب في الساحة اللبنانية مخاوف من استعادة “فتائل” تلك الحرب الفتنوية بأساليب مختلفة. من “بوسطة عين الرمانة” إلى حاجز البربارة وجسر المدفون، وصولًا إلى الصروح التربوية والجامعات، يستحضر اللبنانيون محطات دامية من تاريخ تلك الحرب كلما عاد منطق البلطجة والترهيب ليطلّ برأسه في الحياة السياسية.
في نظر منتقدي حزب “القوات اللبنانية”، لم يكن انتقال الحزب ورئيسه سمير جعجع من زي التشبيح الزيتي إلى الزي الرسمي و”الكرافات” كافيًا لمحو ذاكرة الحرب أو طمس صورة ارتبطت بمحطات مفصلية من تاريخ لبنان. إذ إنّ “القوات”، التي ترتدي اليوم ثوب العمل السياسي، وتشارك في المؤسسات الدستورية، تواجه اتهامات متكررة باللجوء إلى أساليب تقوم على التهديد والوعيد، في مشهد يعيد إلى الواجهة ممارساتها الميليشياوية.
لذلك؛ السؤال: هل انتقل الصراع من دهاليز الحرب الأهلية إلى الحياة السياسية والجامعية؟ هل باتت بعض الجامعات مسرحًا لإعادة إنتاج منطق البلطجة والترهيب، بدلاً من الاحتكام إلى الحوار وصناديق الاقتراع؟
هوفلين.. حين تحوّل الخلاف الانتخابي إلى مواجهة
وقع آخر فصول ميليشياوية “القوات”، منذ أيام قليلة، في حرم جامعة القديس يوسف، في هوفلين، بعدما انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يوثّق حادثة تهديد ومواجهة بين عدد من الطلاب.
بحسب الرواية المتداولة بين طلاب الجامعة، بدأ الخلاف على خلفية التحالفات في الانتخابات الطلابية، بعدما اتجه طلاب من “تيار المستقبل” إلى التحالف مع طلاب من “التيار الوطني الحر”، بدلاً من التحالف مع طلاب “القوات اللبنانية”. وفقًا لرواية هؤلاء الطلاب، حضر المدعو جفري خوري، والذي يُعرَّف عنه بأنه “رئيس” دائرة الجامعات الفرنكوفونية في حزب “القوات اللبنانية”، وواجه عددًا من الطلاب، بينهم أحمد عيتاني المنتمي إلى “تيار المستقبل”.
تفيد الرواية المتداولة بأن خوري هدّد الطلاب بعبارة: “باخدكن تلاتتكن”، إلى جانب عبارات نابية بعدما تهجّم عليهم، محاولًا ضربهم، وفقًا لما يظهر في المقطع المتداول. كما قام الطالب المنتمي إلى “القوات اللبنانية” شربل الشمالي بالتدخّل لاحقًا مساندًا خوري، فوجّه تهديدات إلى طلاب من تيار المستقبل والتيار الوطني الحر.. وقعت لاهذه الأحداث طبقًا لما رواه طلاب الجامعة.
من ذاكرة الحرب إلى هواجس الحاضر
أمام ما وصفه الطلاب بسلوك “القوات” البلطجي والهمجي؛ سادت حال من الصدمة والذهول والاستنكار في أوساط الجامعة، حيث استعاد أحد الطلاب حادثة الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2017، حين احتُجز رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق آنذاك سعد الحريري في السعودية، معلنًا استقالته مُرغمًا عبر قناة “العربية”، في ظروف أثارت جدلًا واسعًا بشأن الضغوط والظروف التي أحاطت بها.
في هذا السياق، استحضر الطالب موقف “القوات اللبنانية” ورئيسها سمير جعجع من تلك المرحلة، فرأى أن “القوات” كانت جزءًا من المسار السياسي الذي أحاط بأزمة استقالة الحريري آنذاك. كما استنكر طالب آخر ما رآه تشابهًا بين السلوك الذي شهدته الجامعة وممارسات سابقة لميليشيات “القوات اللبنانية”، مستحضرًا أيضًا أداءها الفاشل في الحكومة عبر وزرائها الأربعة. ما يعكس اتساع دائرة اعتراض الطلاب على الحادثة، والتي كشفت أن الخلاف لم يعد محصورًا بالتحالفات الانتخابية، لقد امتد إلى تقويم أوسع لممارسة “القوات” السياسية والحزبية.
من يحمي الطلاب في الجامعات؟
لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق، في هذه القضية، لا يقتصر على الخلاف بين القوى الطلابية، إنما يتصل بالشعور بالأمان داخل المؤسسات التربوية. إذ عبّر طالب آخر عن خوفه من هذا السلوك البلطجي، سائلًا: “من يحمي الطلاب داخل الجامعة؟ وأين إدارة الجامعة مما يحصل؟ وكيف يُسمح لطلاب بتحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات داخل الحرم الجامعي؟
كما طالب الطلاب الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤوليتها في حمايتهم، مؤكدين أن الجامعة ليست حاجزًا حزبيًا، والطالب لا يجوز أن يصبح هدفًا للتهديد لمجرد اختياره تحالفًا لا يعجب هذا الحزب أو ذاك.
حسن شريم
موقع العهد



