من “اتفاق الإطار” إلى “قانون المقاطعة”.. تنازلات بـ”بلاش”

حسن شريم –
في كل مرّة يُقدم فيها لبنان التنازلات، تُفتح الشهيّة الصهيو-أميركية على المزيد. فبالنسبة إلى واشنطن و”تل أبيب”، لا فرصة “ذهبية” أحسن من المتاحة اليوم. سلطة خانعة، تُطأطئ رأسها أمام كل طلب جديد، على وقع نداءات السمع والطاعة. تقدّم هذه السلطة التنازلات قبل أن تنتزع الحقوق، وهي بهذا المنطق، لا تفاوض من موقع القوّة، بل تشرّع الباب أمام مزيد من الضغوط. وهذا ما يضعها اليوم أمام سؤال يتجاوز المفاوضات المباشرة واتفاقات العار مع كيان العدو: ماذا حقّقت في المقابل؟ فالاعتداءات مستمرة، والانسحاب لم يتحوّل إلى واقع، والسيادة لا تُستعاد بالوعود الكاذبة ولا تُحمى باتفاقات العار التي لا تفرض على العدو التزاماته. ومع ذلك، لا يبدو أن مسار التنازلات قد بلغ نهايته، إذ انتقل الضغط الأميركي إلى مستوى آخر، عنوانه هذه المرّة قانون مقاطعة “إسرائيل”، بما يمثّله من قيد قانوني على التعامل مع كيان العدو منذ أكثر من سبعة عقود.
فبعدما طالب السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بإلغاء القانون الصادر في 23 حزيران 1955، أعاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو طرح الملف خلال اتصاله برئيس الجمهورية جوزاف عون، الأمر الذي بات يطرح مخاوف جدّية حول حدود ما يمكن أن تقدّمه السلطة اللبنانية تحت ضغط الخارج، ولا سيما أن إلغاء القانون لا يعني تلقائيًا سقوط سائر النصوص التي تقيّد التعامل مع كيان العدو ما لم تشملها تعديلات تشريعية منفصلة.
هنا تكمن خطورة المسألة: أن يتحوّل التفاوض من وسيلة لانتزاع الحقوق إلى مسار تُطرح في سياقه القوانين اللبنانية نفسها على طاولة التنازلات، فيما تبقى الأسئلة الأساسية معلّقة: أين وقف الاعتداءات؟ أين الانسحاب؟ وأيّ سيادة يمكن الحديث عنها إذا كان المطلوب من لبنان أن يغيّر تشريعاته قبل أن يحصل على ضمانات واضحة وميدانية تحفظ حقوقه وتحرّر أرضه؟
المسألة، وفق وزير الخارجية اللبنانية السابق الدكتور عدنان منصور، تتجاوز تعديل قانون أو إلغاء تشريع، لتلامس جوهر السيادة اللبنانية وطبيعة المسار السياسي الذي يُدفع لبنان إلى سلوكه. وفي حديث لموقع “العهد” الإخباري، رأى منصور أن المطالبة بإلغاء قانون المقاطعة تأتي بإيعاز وضغط أميركيين، محذّرًا من أن الهدف يتصل بإزالة العوائق القانونية أمام الاعتراف بـ”إسرائيل” والتطبيع معها. ورأى أن السياسة الأميركية، منذ العدوان “الإسرائيلي” وصولًا إلى “اتفاق الإطار”، تدفع لبنان نحو الموقع الذي تريده واشنطن و”تل أبيب”، في وقت لا تزال فيه “إسرائيل” تحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية وتواصل اعتداءاتها بشكل يومي.
ولفت منصور إلى أن اتفاقية “الهدنة” الموقّعة عام 1949 أوقفت “العمليات” العسكرية، لكنها لم تُنهِ حالة الحرب، معتبرًا أن إعادة النظر في القوانين التي تتعامل مع “إسرائيل” كونها عدوًّا، بينما لا تزال أجزاء من لبنان تحت الاحتلال، تطرح إشكالية خطيرة على مستوى السيادة. وسأل عن مبرّر إعادة فتح هذا الملف استجابةً لمطالب أميركية أو “إسرائيلية”، بدلًا من أن يكون القرار نابعًا من الإرادة اللبنانية ومصالح الدولة، محذّرًا من أن التراجع أمام الضغوط الخارجية قد يفتح الباب أمام تنازلات كُبرى إضافية.
“اتفاق الإطار”.. تنازلات تتجاوز حدود التفاوض
في قراءته لـ”اتفاق الإطار”، رأى منصور أنه أتاح للولايات المتحدة و”إسرائيل” مساحة أوسع لفرض الشروط التي تنتقص من السيادة اللبنانية، مشيرًا إلى ما يتصل بنزع سلاح “المجموعات المسلحة” (وفق ما ورد في ما يسمّى بـ “اتفاق الإطار”) على الأراضي اللبنانية، وإلى إتاحة الاستعانة بالولايات المتحدة إذا عجزت الدولة عن تنفيذ ذلك. ولفت إلى أن هذه الصيغة تثير إشكالية تتعلق باستقلالية القرار اللبناني، ولا سيما في ظل استمرار الاحتلال “الإسرائيلي”.
كما حذّر من أن الاتفاق يمنح “إسرائيل” مجالًا للتدقيق في تنفيذ الالتزامات المتعلقة بـ”نزع السلاح”، بما يفتح الباب أمام تجاوزات تمسّ السيادة اللبنانية. وأشار إلى أن خطورة “اتفاق الإطار” لا تقتصر على بند واحد، بل تشمل مجموعة من المسائل التي تستدعي نقاشًا جديًا حول انعكاساتها على صلاحيات الدولة وقدرتها على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة وحرّة.
وفي سياق متصل، شكّك منصور بنزاهة الوساطة الأميركية، سائلًا عن أسباب تلكؤ واشنطن وعجزها عن ممارسة الضغط الكافي والحقيقي على “إسرائيل” لوقف “العمليات” العسكرية وتدمير القرى الجنوبية، رغم تعدّد جولات التفاوض. وأشار إلى أن لبنان، بعد سبع جولات، لم يتمكّن من انتزاع وقف لإطلاق النار، فيما تستمر الاعتداءات على الأرض، وهو ما يطرح علامات استفهام حول جدوى المسار التفاوضي إذا لم يقترن بإجراءات تنفيذية وفعلية تضمن وقف التصعيد وحماية الأراضي اللبنانية.
“اليونيفيل”.. والانسحاب “الإسرائيلي”
لم يحصر وزير الخارجية اللبناني السابق الدكتور عدنان منصور مخاوفه بقانون المقاطعة و”اتفاق الإطار”، بل ربطها أيضًا بمستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” ودورها في مراقبة الخروقات “الإسرائيلية” في الجنوب. وأشار إلى أن محاولات إنهاء مهمتها، التي تسعى الولايات المتحدة و”إسرائيل” إليها قبل نحو عام، تثير تساؤلات حول الجهة التي ستراقب الاعتداءات وتحدّ من حرية التوغّل “الإسرائيلي” في حال غياب القوات الدولية.
وحذّر منصور من أن انسحاب “اليونيفيل” قد يتيح لـ”إسرائيل” توسيع تحركاتها باتجاه قرى جنوبية وربّما احتلالها أيضًا، ولا سيما في منطقة صور، مستشهدًا بتدمير قريتي المنصوري وحدّاثا وغيرهما، واستمرار التهديدات “الإسرائيلية” لا سيما من رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس بعدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية. ورأى أن هذه الوقائع تجعل التوجّه نحو إلغاء القوانين التي تقيّد التعامل مع “إسرائيل” أكثر خطورة طالما أسباب العداء والنزاع قائمة.
وفي ختام موقفه، وجّه منصور عبر “العهد” انتقادات إلى بعض النواب والسياسيين الذين يؤيدون مثل هذه التوجهات ويطبّلون لها، معتبرًا أن الرهان على الولايات المتحدة والغرب و”إسرائيل” لتحقيق المصالح اللبنانية رهان فاشل. وشدّد على أن الظروف الصعبة التي يمرّ بها لبنان لا تعني نهاية المطاف، محذّرًا من أن “إسرائيل” لا تسعى إلى “سلام” يضمن الاستقرار للبنان، وأن أي رهان على فرض “السلام” كأمر واقع لن يضمن الحقوق اللبنانية ولن يحرّر الجنوب
موقع العهد



