محليات

كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في الذكرى السنوية الثانية لشهادة سيد شهداء الأمة

كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في الذكرى السنوية الثانية لشهادة سيد شهداء الأمة سماحة السيد حسن نصرالله وصفيه الهاشمي سماحة السيد هاشم صفي الدين 27-09-2026

اخبار لبنانية

 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق مولانا وحبيبنا ونبينا وقائدنا أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه الأبرار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والصالحين والشهداء إلى قيام يوم الدين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

نلتقي في الذكرى الثانية لارتقاء السيدين الشهيدين السعيدين الأمينين العامين، سماحة السيد حسن نصر الله قدس سره، وسماحة السيد هاشم صفي الدين قدس سره، مع ثلة من المجاهدين والشهداء، مع ثلة من الناس من الرجال والأطفال والنساء، ومن كل أولئك الذين يحتضنون المقاومة ويعيشون معها ويبذلون من أجلها. هؤلاء هم درة التاج.

 

هذه الذكرى المباركة، مباركة بعلو مقام الشهداء، ومباركة باستمرارية المسيرة، ومباركة بأنها حقّقت لنا مدداً وصموداً وعطاءات. قال تعالى في كتابه العزيز: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}.

 

أخي وسيدي الحبيب سماحة السيد حسن، ورفيق الدرب والأخ القائد في مسيرة حزب الله ومقاومته الإسلامية، دخلت قلوبنا وملأت عقولنا ورسمت معالم الطريق إلى الحياة العزيزة. أحببت الناس وأحبك الناس. أنت المقاومة والمقاومة أنت. لقد أصبحت رمزها لأحرار العالم، تصدرت أثير العالم بالإيمان والصدق والجهاد والشجاعة والحب والإخلاص والتضحية. أنت القائد المقاوم الأممي تُلهم الأحرار في العالم. كنت القائد فأصبحت الملهم للقادة. شهادتك شاهد لإنارة طريق الأجيال. خافك العدو وأنت بيننا ويخافك وأنت مُشرف بروحك علينا. بنيت صرح العزة والمروءة ثابتاً للأجيال. غادرت بجسدك وبقيت تعاليمك وبقي النور للعطاء الذي يمدّنا بالعزيمة. لا أقول نتذكرك بل نعيش معك. إنّا على العهد قيادة ومقاومة وشعباً موالين ومحبين. حملنا الأمانة بثقة وثبات وسطّر المقاومون ملاحم تعبئتك وضحى الناس كما ربيت ووجّهت. لقد بنيت حزباً ومقاومة وحالة شعبية ثابتة وقوية. سنستمر على هذا النهج المحمدي العلوي الحسيني المهدوي، نهج الإمام الخميني ونهج الإمام الخامنئي ونهج الإمام موسى الصدر، نهج الولاية والمقاومة والجهاد. حملت راية فلسطين وزرعتها في حياتنا، ستبقى فلسطين هي البوصلة وتحرير أرضنا سيبقى أولوية.

 

أخي العزيز السيد الهاشمي سماحة السيد هاشم صفي الدين، مسيرتك حافلة بالجهاد والعمل في حزب الله ومقاومته الإسلامية، واهتمامك الواسع بشؤون العمل التنفيذي أوجد تقدماً ملحوظاً في العمل التربوي والصحي والتنظيمي والاجتماعي والكشفي وفي المجالات التنظيمية والشعبية المختلفة على مستوى الشباب والشابات والأطفال. لم تكن تهدأ ولا تكل ولا تمل، تصل الليل بالنهار لخدمة هذه المسيرة. كنت عضداً ومساعداً لسيد شهداء الأمة السيد حسن رضوان الله تعالى عليه. لطالما تداولنا وعقدنا اللقاءات الثنائية والثلاثية مع سماحته لتسهيل عمل الحزب في إقرار الهيكليات وتوصيف المهام والبرامج وكنت سريعاً وفاعلاً ومنتجاً. اهتمامك بالثقافة والتربية على قاعدة الأصالة ميزة طبعت أداءك. غادرتنا سريعاً لكن خطواتك الثابتة ستبقى معلماً في المسيرة الجهادية للمقاومة والمقاومين.

 

هنا لا بدّ أن نذكر الرمز السيد عباس الموسوي رضوان الله تعالى عليه، سيد شهداء المقاومة، الذي أسس وبنى وأوصى، “إن الوصية الأساس هي حفظ المقاومة”. وهو الذي عاش مع المجاهدين وارتقى سيداً شهيداً لهم، ونُفصّل أكثر إن شاء الله في ذكراه.

 

وهنا لا بدّ أن نذكر المعاونين المجاهدين الذين استشهدوا في معركة أولي البأس وحولها، أربعة معاونين جهاديين استشهدوا في إطار معركة أولي البأس. طبعاً يصعب اختصار حياة هؤلاء، لكن أذكر الأسماء ونبذة صغيرة وأحيل التفاصيل إلى التقارير والعمل التعبوي والإعلامي الذي يقوم به الإخوة الأعزاء.

 

الشهيد القائد المعاون السيد فؤاد علي شكر (الحاج محسن)، استشهد في 30 تموز سنة 2024. كان السيد محسن من بين المؤسسين للعمل المقاوم في حزب الله وله سهم كبير في بناء تشكيلات المقاومة وقيادتها في مواقع مختلفة على امتداد مسيرتها الأربعينية، وصولاً إلى تمثيلها في شورى القرار في حزب الله. كان اليد اليمنى لشهيدنا الأقدس السيد حسن، خصوصاً بعد قيادته مقر قيادة الحرب قبل وأثناء معركة إسناد غزة. هو استراتيجي في تفكيره ويهتم بالبناء العقائدي.

 

المعاون الشهيد القائد الحاج إبراهيم محمد عقيل (الحاج عبد القادر)، استشهد في 20 أيلول. عاش الحاج عبد القادر منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحتى تاريخ الاستشهاد حياة زاخرة بالعمل الجهادي. هو من الجيل المؤسس، تميز بدوره الرئيس في تأسيس ركن العمليات ثم قوة الرضوان. عرف بعقله العسكري الاستراتيجي وعرف بعباداته والإكثار من ذكر الله تعالى.

 

ثالثاً: الشهيد المعاون القائد الحاج علي عبد المنعم كركي (الحاج أبو الفضل)، استشهد في 27 أيلول في الوقت نفسه وفي المنشأة نفسها التي استشهد فيها سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن. أمضى الحاج أبو الفضل أكثر من أربعة عقود متنقلاً بين العمل الإسلامي والتربوي من جهة، وتأسيس الخلايا الأولى للمقاومة من جهة أخرى. تحمل مسؤولية قيادة جبهة الجنوب في مقر سيد الشهداء وتصدى لقيادة الحرب فيها مع العدو إبّان فترة الإسناد. كان يكثر من الدعاء وتلاوة القرآن.

 

رابعاً: المعاون الجهادي الشهيد القائد السيد سهيل حسين الحسيني (السيد أحمد)، استشهد في 27 تشرين الأول بعد عمر مديد بالمقاومة. تسلم السيد أحمد المسؤولية الأركانية سنة 2008. تُسجل له مساهمة كبيرة في تطوير التشكيلات والاختصاصات الأركانية في المقاومة وبمأسستها. وقد اهتم بالجانب الأسري للمجاهدين وكان المربي والمثقف.

 

الشهيد القائد المجاهد الشيخ نبيل قاوق، فضيلته، كان ركناً حقيقياً مع سماحة سيد شهداء الأمة. استشهد في 28 أيلول سنة 2024. ارتبط اسمه بمنطقة الجنوب بعد عودته من الدراسة الحوزوية في إيران عام 91، وخلال أعوام قيادته للمنطقة كان حاضراً بين المجاهدين ومع الناس، وبقي الجانب العلمي والتبليغي حاضراً في شخصيته وحافظ على زهد نفسه ونقائها. تسلم مسؤوليات عدة آخرها المسؤولية الوقائية داخل الجسم.

 

لا بدّ أن نذكر باعتزاز الشهيد القائد اللواء عباس مرتضى نيلفروشان الذي استشهد مع سماحة السيد حسن في المنشأة نفسها. هو إداري قدير وعسكري متمرس وصاحب رؤية. حصل على الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الإمام الحسين عليه السلام، وكان قائداً لقوة القدس في لبنان وسوريا لمدة خمس سنوات، واختتم حياته في قيادة قوة القدس في لبنان، وكان إلى جانب المقاومة داعماً ومسانداً ومشيراً.

 

هنا ومن باب الذكر ووفاءً للشهداء، سأخصص أيضاً من استشهد في مقر سيد شهداء الأمة السيد حسن في يوم 27 أيلول من الإخوة مسؤولي الوحدات والملفات: الحاج أبو حسن عمار (علي نايف أيوب). الحاج أمين (عبد الأمير محمد سبليني). الحاج نبيل (إبراهيم حسين جزيني). الحاج جهاد (سمير توفيق ديب). الحاج حسن (محمد حبيب خير الدين). هؤلاء قادة شهداء من مسؤولي الوحدات. وطبعاً استشهد أيضاً عدد من الإخوة المجاهدين وعدد من الناس يصعب أن نذكرهم جميعاً في هذه العجالة.

 

مع سماحة السيد الهاشمي استشهد: الحاج مرتضى (حسين علي هزيمي – المعلومات). الحاج عادل (علي محمد بحسون – الأماكن). الحاج ماهر (محمود محمد شاهين). وكذلك استشهد عدد آخر من المجاهدين ومن الناس.

 

التعزية والتبريك لعوائل الشهداء، الزوجات والأولاد والأهل ولكل المحبين. التعزية والتبريك بالسيدين الجليلين وبالشهداء الأبرار القادة وكل الشهداء من المجاهدين المقاومين ومن الناس الذين قدموا في هذه المسيرة وفي معركة أولي البأس خصوصاً، وكذلك كل الشهداء الآخرين على امتداد هذه الأمة لأنها مسيرة واحدة. إلى أرواحهم جميعاً نهدي ثواب السورة المباركة الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.

 

قبل أن أدخل إلى الموضوعات الخمسة التي سأتحدث عنها، لا بدّ من تحية خاصة للشهداء الأحياء جرحى البيجر الذين قدموا النموذج الرائع لتحويل الجراح إلى فعل ومقاومة وأثر واستمرار. وإلى الأسرى المظلومين، وإلى كل الناس الذين أحاطوا بهؤلاء الشهداء والجرحى والأسرى، إلى العوائل، تحية إليهم جميعاً. تحية إلى 3400 شهيد وشهيدة من المقاومين والناس، وتحية إلى 14600 جريح وجريحة من المقاومين والناس في معركة أولي البأس التي ستبقى علماً مؤثراً في الصمود والتحدي.

 

أدخل إلى الموضوع الأول. قال تعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. هذه الآية القرآنية تنطبق مباشرة على موضوعنا في الاستمرارية في إعطاء العهد. لقد قررت شورى حزب الله أن تسمي كل المرحلة التي بدأت مع معركة أولي البأس، أي من أيلول سنة 2024 مع جرحى البيجر وما بعدهم، حيث سمينا المعركة بمعركة أولي البأس، من هذا الوقت نعتبر أننا أمام مرحلة جديدة من مراحل عمل وجهاد حزب الله والمقاومة الإسلامية وكل المقاومين الشرفاء. سمينا هذه المرحلة مرحلة “إنّا على العهد”، ولذلك استعملنا هذا التعبير في الذكرى السنوية الأولى والآن نستخدمه في الذكرى السنوية الثانية، بل هذا التعبير أطلقناه عند تشييع السيدين الجليلين. “إنّا على العهد” يعني إنّا مستمرون. “إنّا على العهد” يعني أنّ القيادة التي تستشهد يأتي مكانها قيادة تستمر على نهج العهد السابق، والمقاومون الذين يستشهدون يأتي بدلاً عنهم مقاومون آخرون يستشهدون ويجاهدون ويستمرون ويحملون الأمانة، والناس أيضاً يستمرون في حمل هذه الأمانة وحمل هذه الرسالة. “إنّا على العهد” يعني إنّا على الثوابت، ونحن نعلم أنّكم فرحون بهذه الاستمرارية، شهادتكم نقلت المسيرة من مرحلة إلى مرحلة ولكنها لم توقفها بل أعطتها زخماً وقدرةً وعزيمة. “إنّا على العهد” ببقائنا على الثوابت، وأساس الثوابت المقاومة الرسالية الإلهية الشجاعة والعزيزة في مواجهة العدوان، هي مقاومة إسلامية ووطنية وقومية وإنسانية. نحن مع استمرارها وسنعمل على استمرارها ضدّ العدو الإسرائيلي الغاشم ليخرج من أرضنا ولنُحقّق التحرير الكامل للأرض المحتلة إن شاء الله تعالى. “إنّا على العهد” يعني أنّنا نحفظ أمانة الشهداء وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة السيد حسن رضوان الله تعالى عليه بروحٍ استشهادية. “إنّا على العهد” يعني أنّنا نعمل على قاعدة دعم فلسطين وتحرير فلسطين، ونحن أيضاً مع تحرير الأرض بالكامل. “إنّا على العهد” لنبقى على الوحدة الإسلامية العامة التي تُظلّل حركتنا. “إنّا على العهد” لنحافظ على الوحدة الوطنية والعيش المشترك ونهتم بقضايا الناس في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعملية والتربوية. “إنّا على العهد” بأن نستفيد من المراحل السابقة ونأخذ منها الدروس والعبر لنكون في المرحلة الجديدة على العهد حقيقة وأن نعمل باستمرار واستقرار.

 

الموضوع الثاني: هناك سؤال يُطرح بعض الأحيان بل في أغلب الأحيان خاصة عند خصومنا: ماذا فعلت المقاومة؟ لكن يبدو أنّهم نسوا سؤالًا: ماذا فعلت الدولة؟ من يصدّ العدوان على دولة من الدول؟ السلطة السياسية تأخذ قراراً وتأمر الجيش وتستعين بشعبها من أجل صدّ الاحتلال. ماذا فعلت السلطة؟ عندما بدأ تاريخ الاتفاق في 27-11-2024 بعد معركة أولي البأس كان يُفترض أن تتسلّم السلطة المهمة واستلمتها بكاملها وبدأت باتصالاتها وعملها، لكن ماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. المقاومة أوقفت مشروع العدوان، هذا ما فعلته. لم تُحقّق أهدافه ولم تُمكّنه من تحقيق الأهداف بالتعاون مع المجاهدين والناس والشرفاء وكل المقاومين. المقاومة أثبتت أن الجحافل التي يمتد عديدها إلى 90 ألف جندي وضابط إسرائيلي عدو، لم يتمكن من تحقيق أهدافهم في كسر المقاومة وإنهاء وجودها وتثبيت الاحتلال الإسرائيلي وإقامة المستوطنات في لبنان. هذا ما فعلته المقاومة إن كنتم تسألون، مع هذه المواجهة الكبيرة والضخمة. من نواجه؟ نواجه إسرائيل التي تدعمها أمريكا بكل الإمكانات الاستثنائية التي لا حدّ لها. والله عندما نتحدث عن هكذا مقاومة نقول: ما أعظمها، ما أشرفها، ما أقواها، ما أصلبها، ما أثبتها، ما هؤلاء المقاومون الشرفاء العظماء الثابتون العاملون المضحون الذين تمكنوا من مواجهة هذه الجحافل الضخمة ولم يتمكن هؤلاء الأعداء من تحقيق الأهداف التي يريدونها. فليعلموا جيداً مع هؤلاء المقاومين، مع شعب المقاومة، مع هذه الروحية العظيمة، مع دماء سيد شهداء الأمة والشهداء، مع هذه التضحيات الكبرى التي قُدّمت إلى الآن، لا يمكن إلا أن نستمر ولا يمكن أن نُهزم وسنستمر إن شاء الله وهيهات منا الذلة.

 

تحدثنا سابقاً بأنّ أسلوب المقاومة في المواجهة هو أسلوب الكر والفر وليس الثبات في المكان. مع ذلك أوقف المقاومون تقدّم الألوية وعشرات الآلاف من جيش العدو، مع كل القصف والتدمير بمختلف أنواع الأسلحة. نحن واجهنا في مناطق عديدة وثبتنا كمقاومين ومقاومة بقدر ما يسمح الميدان وطريقة عمل المقاومة. ثبتنا في بنت جبيل والخيام وعيتا الشعب والناقورة والبياضة وعلي الطاهر، وفي كل مكان كان فيه مقاومة في الجنوب استطعنا أن نقف بحمد الله تعالى كمقاومة فترة مهمة من الزمن، وبعد ذلك عندما يعسر المحافظة على المكان وتكون التكاليف أعلى، يتراجع الإخوة إلى أماكن أخرى ويعودون إلى صيغة الكر والفر. في علي الطاهر الصمود ثلاثة أشهر، في كل مكان من الأمكنة التي ذكرتها والتي لم أذكرها الصمود كان أشهر. لكن ليست المحافظة على المكان هي الأساس أو هو العمل الذي نقوم به. في النهاية يجب أن نعلم جيداً المقاومة تواجه من خلال أمرين أساسيين: الأول أن تواجه في المكان والزمان إلى الحد الممكن بحسابات الربح والخسارة. ثانياً أن تمنع العدو من الاستقرار وتثبيت الاحتلال. وهذا طبعاً يحصل بمجمل العمل الذي نقوم به. هذان الأمران يؤديان إلى التحرير مع الوقت الذي تنضج فيه الظروف. وبالتالي في كل المواجهات نُوقع في العدو الخسائر، نبذل التضحيات وبروح استشهادية وبخطة ودراسة، وفي آنٍ معاً نحرص على أهلنا ومناطقنا. مسؤولية القيادة أن ترسم الخطوات التي قد لا تكون واضحة للناس ومعروفة للناس ولكنها تتوضّح مع الزمن، وهذا أمر طبيعي، لا يمكن أن يكشف الإنسان أسراره في كيفية إدارة المعركة وطبيعة المعركة. بقينا 15 شهراً عندنا صبر وكان الكلام من هنا وهناك: ماذا تفعلون؟ كيف لا تقاومون؟ لماذا لا تقاتلون؟ ثم فوجئ الجميع بالاستعدادات والإمكانات في معركة العصف المأكول. هذا يعني أن السكوت عن بعض التفاصيل له علاقة بطريقة إدارة المعركة وعدم إعطاء العدو المكسب الذي يريده في الوقت الذي نبذل فيه ما نستطيع ضمن خطوات المقاومة. نحن واثقون بنصر الله تعالى، واثقون بوعده، هو القائل: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}، وسيأتي إن شاء الله بصيغته التي يحبها الناس ويعشقها الناس، بالصيغة المادية المباشرة بالتحرير إن شاء الله تعالى.

 

إذاً، أين هي المشكلة في مواجهة العدو الإسرائيلي؟ المشكلة هي بالعدوان وليست بالمقاومة كما يقول البعض. عجيب أمرهم، يقولون المقاومة جذبت العدوان، بالأصل لم تنشأ المقاومة إلا بسبب العدوان، فإذاً العدوان هو السبب، العدوان هو المشكلة، اتجهوا إليه. قال: والله المقاومة لم تستطع أن تمنع العدوان، ما هو عدوان؟ كيف ستمنع العدوان؟ يجب أن تواجهه، يمكن أن تمنعه، يمكن أن تأخره، يمكن أن تصل إلى خطوات متدرجة تربح فيها مع الزمن، يمكن أن يقصر الزمن، يمكن أن يطول الزمن، هكذا تعمل المقاومة. لا يُقال للمقاومة ما زال العدوان، ما هو عدوان يجب مواجهته. وإلا الكلام بأننا يجب أن نخضع للعدوان حتى يتوقف، أي أنتم تقولون نريد الاستسلام. الاستسلام للعدو الإسرائيلي يعني انتهاء لبنان العيش المشترك لصالح المستوطنات الإسرائيلية والتوطين والوصاية الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي وخطوة على طريق إسرائيل الكبرى في المنطقة. إذا كان بعضهم يقبل ذلك فنحن لا نقبل، والبلد بلدنا معاً ويجب أن نتفق ولا نفرط بشبر واحد من 10452 كيلومتر مربع، وأساس البلد ودعامة البلد ومستقبل البلد هو جنوب لبنان. أين الدولة ذات السيادة أيها السياديون؟ لا يقال لنا انظروا ماذا فعل العدوان لأنكم تقاوموه، بل لماذا لا تقاوموه أنتم؟ ولماذا تتنازلون؟ ولماذا على الأقل لا تتحدثون ضدّه؟

 

في الحقيقة نحن نعتبر أن ما حصل اليوم في معركة العصف المأكول بحمد الله تعالى قد وصلنا إلى مرحلة أوقفت هذا العدوان ببشاعته المطلقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال اتفاقها مع أمريكا، وبالتالي مذكرة التفاهم، هي التي خفضت من مستوى التصعيد إلى المستوى الذي نراه اليوم.

 

إذاً هذه المقاومة استطاعت بالاستفادة من الإمكانات المتوفرة أن تصل إلى مرحلة تحدّ من حركة العدوان. المطلوب أيضاً عمل أكثر ونتائج أكثر. كل الضغط اليوم على لبنان من أجل أن يُنجز ما عجزت عنه إسرائيل لمدة سنتين. لاحظوا ماذا يطلبون: على الجيش اللبناني أن ينزع السلاح! بقيتم سنتين تحاولون أن تنزعوا السلاح ولم تستطيعوا أن تنزعوا السلاح، لماذا تطلبون من الجيش اللبناني؟ ما علاقتكم أنتم بالسلاح؟ قال: من أجل أمن إسرائيلي. الأمن الإسرائيلي موجود ومتحقق وأنتم عملتم ما تريدون. وبالتالي الطلب من الجيش اللبناني أن يكون أداة لديكم، هذه طويلة على رقبتكم، هذا الجيش جيش وطني، الناس في لبنان يتفاهمون مع بعضهم، ليس أنتم من تفرضون ما تريدون.

 

ليكن واضحاً: لبنان بلا مقاومة يزول. العدو يريد كل لبنان، منع قوته ويريد أن يمنعها ويضربها بالكامل، يريد الفتنة في الداخل اللبناني، يريد اتباع سياسات تؤدي إلى أن يكون لبنان مُلحقاً بالإدارة الأمريكية الإسرائيلية. لا يمكن أن يبقى لبنان إلا بتحريره ووحدته وتعاون مكوناته. ومن يراهن على أن يبقى له جزء من لبنان مقابل التخلي عن الجزء الآخر من الأرض أو الشعب فهو واهم. لبنان واحد وسيبقى كذلك أو لا يكون. ليس عندنا نحن لبنانات، عندنا لبنان واحد، يجب أن نعمل كلنا مع بعض حتى يكون لبنان واحد، وهؤلاء الجماعة لا يدخلون بيننا.

 

ثالثاً: اتفاق الإطار هو تنازل مخزي من قبل السلطة اللبنانية عن كل الأوراق التي يمكن أن تملكها هذه السلطة ويمكن أن تستفيد منها في محاولة تحصيل حقوق لبنان. اتفاق الإطار قدّم في لحظة واحدة وفي جلسة واحدة كل ما يمكن أن يتحدث عنه لبنان أو أن يقول عنه لبنان لمصلحة العدو الإسرائيلي وكما يريد العدو الإسرائيلي. لقد تنازلت عن كل عوامل القوة دفعة واحدة وقدمت كل مطالب العدو دفعة واحدة. السلطة تساعد المشروع الإسرائيلي الأمريكي بدل أن تواجهه. يقولون: نحن لا نستطيع أن نواجهه، إذاً اصمتوا، لا تعلنوا شيئاً، لا تعطوه موافقات، قولوا لسنا قادرين. لا، يُعرّضون أكتافهم ويأخذون قرارات ضد شعبهم ويقسّمون البلد قسمين ويعملون كل المنكرات على قاعدة أن ترضى إسرائيل، وإسرائيل لا ترضى، لا ترضى إلا عندما تمسح الأرض بكل الذين يتعاملون معها. وكذلك أمريكا، أمريكا لا يوجد أهون من أن تقول: أنا لا أقدر الآن أن أضغط على إسرائيل، ساعدوني. كيف نساعد؟ قال: امسحوا المقاومة حتى أنا أُقنع إسرائيل. معنى ذلك هم يأتون بالسياسة ليستخدموا قوة الحرب وقوة الاعتداء وقوة الاجرام الذي تستعمله إسرائيل العدوة.

 

حان الوقت لكي نفهم ونعرف، هذه السلطة هي المسؤولة عن استمرار الوضع الأمني المضطرب نتيجة الاعتداءات لأنها تراهن على أميركا وإسرائيل ولا تستفيد من عناصر القوة الداخلية، لا تستفيد من المقاومة ولا تستفيد من صمود الأهالي ولا تستفيد من التضحيات. اليوم الأغلبية الساحقة من اللبنانيين والقوى السياسية أعلنوا أنهم ضدّ الاتفاق، أهذا ليس كافياً حتى يُقال “وضعناه جانباً”.

 

جربت السلطة المفاوضات المباشرة بسبع جولات، ماذا كانت النتيجة؟ لا عرف إذا هناك تحت الصفر، تحت الصفر وليس صفراً، في هذه الجولات المختلفة. يقولون: الرئيس له حق التفاوض، وهو يستخدم حقه. صحيح، حق الرئيس التفاوض، ولكن لا يحق له مخالفة الدستور والطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري، والتنازل عن حق لبنان وشعبه وجيشه في الدفاع عن أرضه، والتنازل عن مقاضاة المحتل. وهو المسؤول الأول عن العمل لحماية السيادة غير منقوصة. لا أحد يستطيع أن يأتي لتعابير حتى تصبح فكرة واضح أنها فاشلة. نحن ندعو إلى وضع حدّ للتنازلات، ندعو إلى المراجعة وتصحيح المسار التفاوضي. جمّدوا المباشر واذهبوا إلى غير المباشر. ارفعوا الصوت وتأكدوا أنكم ستكونون أعزة برفع الصوت. سيكون الجميع معكم عندما تدافعون عن سيادة لبنان وعندما لا تتنازلون عنها. نحن نريد الرئيس أن يكون حكماً وجامعاً وليس طرفاً. نريده أن يجمع اللبنانيين لا أن ينقسم اللبنانيون بطريقة عمودية خطيرة جداً كما هو الواقع. حاضرون للحوار ولكن كيف نحاور من حكم على المقاومة وشعبها بأنهم خارجون عن القانون؟ على الأقل أن تعترف أننا موجودون ضمن القانون؟ طبعاً نحن لا نعترف بهذا القرار بالأصل، لكن هناك مقدمات طبيعية حتى نجلس معاً. أين هي الأفعال التي تُقرّب المسافات وتؤدي إلى الحوار وتُلغي بعض الإشكالات التي كانت موجودة؟

 

أنا أحب أن أقول لكم شيء، وهذا تذكروه وسترونه أمامكم: لو اليوم أو غداً انسحبت إسرائيل من مكان أو وضعت خطة انسحاب أو قبلت بأي عمل من الأعمال الذي يؤدي إلى مكسب للبنان، هذا نتيجة المقاومة وثبات المقاومة ومذكرة التفاهم وعجز إسرائيل وليس نتيجة الاتفاق التفاوضي. اسمعوا هم ماذا يقولون الذين يدخلون في الاتفاق التفاوضي؟ هم يقولون أن أي عمل سيكون لمصلحة حزب الله. نعم، اليوم إن شاء الله تظنون أنه إذا قدموا التنازلات معنى ذلك أنهم تراجعوا، لا، هم بسبب المقاومة وبسبب هذا الصمود لهذا الشعب وليس بسبب الاتفاق الذي لن يعطينا شيئاً حتى لو انسحبت إسرائيل بالكامل تحت هذا العنوان، المهم الوقائع على الأرض.

 

رابعاً: شعبنا المقاوم أذهل العالم. مقاومونا الشرفاء قدموا أداءً أسطورياً من أروع الملاحم والصمود على مسرح المواجهة مع العدو الإسرائيلي. قادتنا دائماً في الميدان وما بدلوا تبديلاً. يا أهلنا يا أهل التضحية الذين لازلتم تعانون من التهجير والنزوح وتعانون من التضحيات الكبرى، نعلم تماماً أنكم نموذج للصبر وأنكم تعانون الكثير الكثير وتتحملون حفظاً للمسيرة واستمراراً على العهد. كان يجب على السلطة ولا زال واجباً أن تقوم بمسؤوليتها في الإيواء والتعويض وكل الواجبات التي تتعلق بالإعمار والترميم. إن شاء الله سنتابع ونضغط على السلطة حتى تقوم بواجبها. لكن أعلن لكم بأننا ملتزمون بتأمين الإيواء والترميم والإعمار بإمكاناتنا والتبرعات وتشجيع مساعدة الدول والمنظمات، وحث الدولة على أن تقوم بواجبها. أي هناك سلة يجب أن نحاول أن نعمل عليها، نحن جزء من هذه السلة، الجزء المتعلق بنا والذي نستطيع أن نعمله بشكل مباشر، أبشركم أننا قريباً جداً سنعلن عن مساهمتنا في مشروع للإيواء وسنعلن التفاصيل المرتبطة به، وأنتم تعلمون أن هذا كله نعمله رغم الحصار والتضييق الذي نواجهه من كل جانب حتى من السلطة بحجة القانون ومنع دخول التبرعات. على كل حال، نحن سنعمل، سنتابع. طبعاً هنا أخصص أهالي القرى التي دُمّرت بالكامل في جنوب لبنان بأنهم النموذج الحي لعطاءات الشرف والكرامة والعزة والإنسانية والتضحية. أنتم لا تقدمون البيوت فقط، أنتم قدمتم أبناءكم، قدمتم أنفسكم، قدمتم أطفالكم. والله هذا سيبقى ديناً علينا جميعاً وسنبقى إن شاء الله وإياكم في هذا المسرح الواحد.

 

هنا أشيد بالمبادرات الشبابية والأهلية التطوعية التي تساهم في إزالة آثار العدوان والتخفيف من معاناة المتضررين. وأحمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية ليس فقط عن الإعمار وإعادة الإعمار. أين الحكومة في الوضع الاقتصادي المتردي وغلاء المعيشة وضعف العملة اللبنانية وغياب أي تحسين في الخدمات؟ أين الكهرباء؟ أصبح لدينا وزارة عتمة وليس وزارة طاقة. أين وزارة الخارجية؟ نحن ليس لدينا وزير خارجية، نحن لدينا حكومة بلا خارجية. أين الأنشطة المختلفة؟ أين أموال المودعين يا أخي؟ ما هذه الدراسة التي تأخذ سنوات وسنوات وأنتم أصبح لكم سنة ونصف؟ أين نتيجة أموال المودعين؟ يا ريت تتحمسون للحديث عن أموال المودعين على قدر ما تتحدثون عن المقاومة وإرضاء العدو الإسرائيلي والعدو الأمريكي، كل خطبة تتحدثون فيها عن هذا الموضوع، حصرية السلاح والدولة هي التي عندها قرار الحرب والسلم. من يلاحقكم يا أخي على قرار الحرب والسلم؟ أأنتم “طالع بإيدكم” أن تقولوا حرباً أو تقولوا سلماً في الأصل، “ما طالع بإيدكم تعملوا شيء”، لا أحد ينتزعه منكم، اتركوا معكم قرار الحرب والسلم، نحن أصلاً ليس عندنا ولا نريده. أما حصرية السلاح، فقد قلنا لكم، عندما تريدون نحن حاضرون للحوار والنقاش، لكن في الأول حرروا الجنوب وليعودوا الأهالي، لأنه يخرج العدو ونحن نتفاهم مع بعضنا.

 

من حق الناس بناءً على هذا الوضع الصعب أن يتظاهروا، أن يعتصموا. من حق الناس أن يعبروا عن إشكالاتهم بكل الأساليب المشروعة التي تكون موجودة عادة للقضايا المعيشية والإسكان وإعادة الإعمار، ونحن معكم.

 

خامساً: الخطر هو على كل المنطقة، بل الخطر على العالم بأسره. أنتم شاهدوا أمريكا تحاول أن تتحكم بكل العالم، لم يعد هناك نظام عدالة عالمي، لا يوجد قانون دولي، تحاول أن تحتل أينما تقدر، اعتدت على إيران في وضح النهار وتستمر وتحاصر، لا يوجد ولا مبرر على الإطلاق سوى أنها تحاول “السلبطة” والسيطرة وأخذ المقدرات بحجج واهية. العدو الإسرائيلي يقوم بمجازر في قلب فلسطين المحتلة، في غزة خاصة، 75 ألف شهيد و175 ألف جريح، يا عمي أين هذا العالم الذي يريد العدالة؟ وطبعاً تحت رعاية وإدارة أمريكية كاملة، هذا العدو المجرم لا يتوقف عن هذا العمل. على كل حال الحمد لله، مشهد الأمم المتحدة يُبيّن أن هذا عدو منبوذ على المستوى العالمي، وليس فقط على مستوى مقاعد الأمم المتحدة، على مستوى الشعوب. تأكدوا أن هذه واحدة من الأمور التي ستسقط هذا العدو.

 

هنا نحيي موقف إيران البطلة الشهيدة المعطاءة، إيران التي قدمت السيد الإمام القائد الخامنئي قدس سره الذي يعتبر الرمز العظيم في ساحتنا وفي عملنا وفي مقاومتنا وفي الولاية، والقادة والشهداء والشعب، لكنها بقيت صامدة. هذا الشعب الإيراني شعب عظيم، هو والحرس والقوى الأمنية والقيادات والعاملين، وإن شاء الله الآن بقيادة آية الله السيد مجتبى دام ظله، إن شاء الله أيضاً تتقدم إلى الأمام. إيران ستثبت للعالم بأنها حمت العالم من هذا السقوط ومن هذا المهوار لمصلحة قوى المقاومة والإنسانية.

 

أما فلسطين فإن شاء الله تكون هي الرمز والواجهة للمستقبل مع كل هذه التضحيات لأن شعبها شعب عظيم مضحي معطاء، بالنهاية هو صاحب الأرض. وأما المحتل فلن يبقى إلا قليلاً بإذن الله تعالى.

 

هنا لا بدّ من تحية لأنصار الله في اليمن، لهذا الشعب اليمني العظيم، لمجاهديه، لشهدائه، لمسؤوليه، لأن هذا الشعب وقف إلى جانب فلسطين، إلى جانب إيران، إلى جانب لبنان، إلى جانب كل قضايا المنطقة. والآن هو يعمل حتى يتحرر من الضغط الاقتصادي والسياسي، وهذا حقه الطبيعي، الله عز وجل يمدكم بالقوة والعزيمة وإن شاء الله أنتم منصورون بإذن الله تعالى.

 

المستقبل لشعوب المنطقة. الشهداء الأبرار الذين انتقلوا من هذا العالم إلى العالم الآخر هم فتحوا الطريق ومهدوا الطريق للانتصار إن شاء الله تعالى. ليس انتصاراً محلياً فقط، انتصار أكبر وأوسع، الأمر يحتاج إلى صبر، ربنا ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

في الذكرى السنوية الثانية لشهادة سيد شهداء الأمة سماحة السيد حسن نصرالله وصفيه الهاشمي سماحة السيد هاشم صفي الدين 27-09-2026

اخبار لبنانية

 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق مولانا وحبيبنا ونبينا وقائدنا أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحبه الأبرار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والصالحين والشهداء إلى قيام يوم الدين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

نلتقي في الذكرى الثانية لارتقاء السيدين الشهيدين السعيدين الأمينين العامين، سماحة السيد حسن نصر الله قدس سره، وسماحة السيد هاشم صفي الدين قدس سره، مع ثلة من المجاهدين والشهداء، مع ثلة من الناس من الرجال والأطفال والنساء، ومن كل أولئك الذين يحتضنون المقاومة ويعيشون معها ويبذلون من أجلها. هؤلاء هم درة التاج.

 

هذه الذكرى المباركة، مباركة بعلو مقام الشهداء، ومباركة باستمرارية المسيرة، ومباركة بأنها حقّقت لنا مدداً وصموداً وعطاءات. قال تعالى في كتابه العزيز: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}.

 

أخي وسيدي الحبيب سماحة السيد حسن، ورفيق الدرب والأخ القائد في مسيرة حزب الله ومقاومته الإسلامية، دخلت قلوبنا وملأت عقولنا ورسمت معالم الطريق إلى الحياة العزيزة. أحببت الناس وأحبك الناس. أنت المقاومة والمقاومة أنت. لقد أصبحت رمزها لأحرار العالم، تصدرت أثير العالم بالإيمان والصدق والجهاد والشجاعة والحب والإخلاص والتضحية. أنت القائد المقاوم الأممي تُلهم الأحرار في العالم. كنت القائد فأصبحت الملهم للقادة. شهادتك شاهد لإنارة طريق الأجيال. خافك العدو وأنت بيننا ويخافك وأنت مُشرف بروحك علينا. بنيت صرح العزة والمروءة ثابتاً للأجيال. غادرت بجسدك وبقيت تعاليمك وبقي النور للعطاء الذي يمدّنا بالعزيمة. لا أقول نتذكرك بل نعيش معك. إنّا على العهد قيادة ومقاومة وشعباً موالين ومحبين. حملنا الأمانة بثقة وثبات وسطّر المقاومون ملاحم تعبئتك وضحى الناس كما ربيت ووجّهت. لقد بنيت حزباً ومقاومة وحالة شعبية ثابتة وقوية. سنستمر على هذا النهج المحمدي العلوي الحسيني المهدوي، نهج الإمام الخميني ونهج الإمام الخامنئي ونهج الإمام موسى الصدر، نهج الولاية والمقاومة والجهاد. حملت راية فلسطين وزرعتها في حياتنا، ستبقى فلسطين هي البوصلة وتحرير أرضنا سيبقى أولوية.

 

أخي العزيز السيد الهاشمي سماحة السيد هاشم صفي الدين، مسيرتك حافلة بالجهاد والعمل في حزب الله ومقاومته الإسلامية، واهتمامك الواسع بشؤون العمل التنفيذي أوجد تقدماً ملحوظاً في العمل التربوي والصحي والتنظيمي والاجتماعي والكشفي وفي المجالات التنظيمية والشعبية المختلفة على مستوى الشباب والشابات والأطفال. لم تكن تهدأ ولا تكل ولا تمل، تصل الليل بالنهار لخدمة هذه المسيرة. كنت عضداً ومساعداً لسيد شهداء الأمة السيد حسن رضوان الله تعالى عليه. لطالما تداولنا وعقدنا اللقاءات الثنائية والثلاثية مع سماحته لتسهيل عمل الحزب في إقرار الهيكليات وتوصيف المهام والبرامج وكنت سريعاً وفاعلاً ومنتجاً. اهتمامك بالثقافة والتربية على قاعدة الأصالة ميزة طبعت أداءك. غادرتنا سريعاً لكن خطواتك الثابتة ستبقى معلماً في المسيرة الجهادية للمقاومة والمقاومين.

 

هنا لا بدّ أن نذكر الرمز السيد عباس الموسوي رضوان الله تعالى عليه، سيد شهداء المقاومة، الذي أسس وبنى وأوصى، “إن الوصية الأساس هي حفظ المقاومة”. وهو الذي عاش مع المجاهدين وارتقى سيداً شهيداً لهم، ونُفصّل أكثر إن شاء الله في ذكراه.

 

وهنا لا بدّ أن نذكر المعاونين المجاهدين الذين استشهدوا في معركة أولي البأس وحولها، أربعة معاونين جهاديين استشهدوا في إطار معركة أولي البأس. طبعاً يصعب اختصار حياة هؤلاء، لكن أذكر الأسماء ونبذة صغيرة وأحيل التفاصيل إلى التقارير والعمل التعبوي والإعلامي الذي يقوم به الإخوة الأعزاء.

 

الشهيد القائد المعاون السيد فؤاد علي شكر (الحاج محسن)، استشهد في 30 تموز سنة 2024. كان السيد محسن من بين المؤسسين للعمل المقاوم في حزب الله وله سهم كبير في بناء تشكيلات المقاومة وقيادتها في مواقع مختلفة على امتداد مسيرتها الأربعينية، وصولاً إلى تمثيلها في شورى القرار في حزب الله. كان اليد اليمنى لشهيدنا الأقدس السيد حسن، خصوصاً بعد قيادته مقر قيادة الحرب قبل وأثناء معركة إسناد غزة. هو استراتيجي في تفكيره ويهتم بالبناء العقائدي.

 

المعاون الشهيد القائد الحاج إبراهيم محمد عقيل (الحاج عبد القادر)، استشهد في 20 أيلول. عاش الحاج عبد القادر منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحتى تاريخ الاستشهاد حياة زاخرة بالعمل الجهادي. هو من الجيل المؤسس، تميز بدوره الرئيس في تأسيس ركن العمليات ثم قوة الرضوان. عرف بعقله العسكري الاستراتيجي وعرف بعباداته والإكثار من ذكر الله تعالى.

 

ثالثاً: الشهيد المعاون القائد الحاج علي عبد المنعم كركي (الحاج أبو الفضل)، استشهد في 27 أيلول في الوقت نفسه وفي المنشأة نفسها التي استشهد فيها سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن. أمضى الحاج أبو الفضل أكثر من أربعة عقود متنقلاً بين العمل الإسلامي والتربوي من جهة، وتأسيس الخلايا الأولى للمقاومة من جهة أخرى. تحمل مسؤولية قيادة جبهة الجنوب في مقر سيد الشهداء وتصدى لقيادة الحرب فيها مع العدو إبّان فترة الإسناد. كان يكثر من الدعاء وتلاوة القرآن.

 

رابعاً: المعاون الجهادي الشهيد القائد السيد سهيل حسين الحسيني (السيد أحمد)، استشهد في 27 تشرين الأول بعد عمر مديد بالمقاومة. تسلم السيد أحمد المسؤولية الأركانية سنة 2008. تُسجل له مساهمة كبيرة في تطوير التشكيلات والاختصاصات الأركانية في المقاومة وبمأسستها. وقد اهتم بالجانب الأسري للمجاهدين وكان المربي والمثقف.

 

الشهيد القائد المجاهد الشيخ نبيل قاوق، فضيلته، كان ركناً حقيقياً مع سماحة سيد شهداء الأمة. استشهد في 28 أيلول سنة 2024. ارتبط اسمه بمنطقة الجنوب بعد عودته من الدراسة الحوزوية في إيران عام 91، وخلال أعوام قيادته للمنطقة كان حاضراً بين المجاهدين ومع الناس، وبقي الجانب العلمي والتبليغي حاضراً في شخصيته وحافظ على زهد نفسه ونقائها. تسلم مسؤوليات عدة آخرها المسؤولية الوقائية داخل الجسم.

 

لا بدّ أن نذكر باعتزاز الشهيد القائد اللواء عباس مرتضى نيلفروشان الذي استشهد مع سماحة السيد حسن في المنشأة نفسها. هو إداري قدير وعسكري متمرس وصاحب رؤية. حصل على الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الإمام الحسين عليه السلام، وكان قائداً لقوة القدس في لبنان وسوريا لمدة خمس سنوات، واختتم حياته في قيادة قوة القدس في لبنان، وكان إلى جانب المقاومة داعماً ومسانداً ومشيراً.

 

هنا ومن باب الذكر ووفاءً للشهداء، سأخصص أيضاً من استشهد في مقر سيد شهداء الأمة السيد حسن في يوم 27 أيلول من الإخوة مسؤولي الوحدات والملفات: الحاج أبو حسن عمار (علي نايف أيوب). الحاج أمين (عبد الأمير محمد سبليني). الحاج نبيل (إبراهيم حسين جزيني). الحاج جهاد (سمير توفيق ديب). الحاج حسن (محمد حبيب خير الدين). هؤلاء قادة شهداء من مسؤولي الوحدات. وطبعاً استشهد أيضاً عدد من الإخوة المجاهدين وعدد من الناس يصعب أن نذكرهم جميعاً في هذه العجالة.

 

مع سماحة السيد الهاشمي استشهد: الحاج مرتضى (حسين علي هزيمي – المعلومات). الحاج عادل (علي محمد بحسون – الأماكن). الحاج ماهر (محمود محمد شاهين). وكذلك استشهد عدد آخر من المجاهدين ومن الناس.

 

التعزية والتبريك لعوائل الشهداء، الزوجات والأولاد والأهل ولكل المحبين. التعزية والتبريك بالسيدين الجليلين وبالشهداء الأبرار القادة وكل الشهداء من المجاهدين المقاومين ومن الناس الذين قدموا في هذه المسيرة وفي معركة أولي البأس خصوصاً، وكذلك كل الشهداء الآخرين على امتداد هذه الأمة لأنها مسيرة واحدة. إلى أرواحهم جميعاً نهدي ثواب السورة المباركة الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.

 

قبل أن أدخل إلى الموضوعات الخمسة التي سأتحدث عنها، لا بدّ من تحية خاصة للشهداء الأحياء جرحى البيجر الذين قدموا النموذج الرائع لتحويل الجراح إلى فعل ومقاومة وأثر واستمرار. وإلى الأسرى المظلومين، وإلى كل الناس الذين أحاطوا بهؤلاء الشهداء والجرحى والأسرى، إلى العوائل، تحية إليهم جميعاً. تحية إلى 3400 شهيد وشهيدة من المقاومين والناس، وتحية إلى 14600 جريح وجريحة من المقاومين والناس في معركة أولي البأس التي ستبقى علماً مؤثراً في الصمود والتحدي.

 

أدخل إلى الموضوع الأول. قال تعالى في كتابه العزيز: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. هذه الآية القرآنية تنطبق مباشرة على موضوعنا في الاستمرارية في إعطاء العهد. لقد قررت شورى حزب الله أن تسمي كل المرحلة التي بدأت مع معركة أولي البأس، أي من أيلول سنة 2024 مع جرحى البيجر وما بعدهم، حيث سمينا المعركة بمعركة أولي البأس، من هذا الوقت نعتبر أننا أمام مرحلة جديدة من مراحل عمل وجهاد حزب الله والمقاومة الإسلامية وكل المقاومين الشرفاء. سمينا هذه المرحلة مرحلة “إنّا على العهد”، ولذلك استعملنا هذا التعبير في الذكرى السنوية الأولى والآن نستخدمه في الذكرى السنوية الثانية، بل هذا التعبير أطلقناه عند تشييع السيدين الجليلين. “إنّا على العهد” يعني إنّا مستمرون. “إنّا على العهد” يعني أنّ القيادة التي تستشهد يأتي مكانها قيادة تستمر على نهج العهد السابق، والمقاومون الذين يستشهدون يأتي بدلاً عنهم مقاومون آخرون يستشهدون ويجاهدون ويستمرون ويحملون الأمانة، والناس أيضاً يستمرون في حمل هذه الأمانة وحمل هذه الرسالة. “إنّا على العهد” يعني إنّا على الثوابت، ونحن نعلم أنّكم فرحون بهذه الاستمرارية، شهادتكم نقلت المسيرة من مرحلة إلى مرحلة ولكنها لم توقفها بل أعطتها زخماً وقدرةً وعزيمة. “إنّا على العهد” ببقائنا على الثوابت، وأساس الثوابت المقاومة الرسالية الإلهية الشجاعة والعزيزة في مواجهة العدوان، هي مقاومة إسلامية ووطنية وقومية وإنسانية. نحن مع استمرارها وسنعمل على استمرارها ضدّ العدو الإسرائيلي الغاشم ليخرج من أرضنا ولنُحقّق التحرير الكامل للأرض المحتلة إن شاء الله تعالى. “إنّا على العهد” يعني أنّنا نحفظ أمانة الشهداء وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة السيد حسن رضوان الله تعالى عليه بروحٍ استشهادية. “إنّا على العهد” يعني أنّنا نعمل على قاعدة دعم فلسطين وتحرير فلسطين، ونحن أيضاً مع تحرير الأرض بالكامل. “إنّا على العهد” لنبقى على الوحدة الإسلامية العامة التي تُظلّل حركتنا. “إنّا على العهد” لنحافظ على الوحدة الوطنية والعيش المشترك ونهتم بقضايا الناس في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعملية والتربوية. “إنّا على العهد” بأن نستفيد من المراحل السابقة ونأخذ منها الدروس والعبر لنكون في المرحلة الجديدة على العهد حقيقة وأن نعمل باستمرار واستقرار.

 

الموضوع الثاني: هناك سؤال يُطرح بعض الأحيان بل في أغلب الأحيان خاصة عند خصومنا: ماذا فعلت المقاومة؟ لكن يبدو أنّهم نسوا سؤالًا: ماذا فعلت الدولة؟ من يصدّ العدوان على دولة من الدول؟ السلطة السياسية تأخذ قراراً وتأمر الجيش وتستعين بشعبها من أجل صدّ الاحتلال. ماذا فعلت السلطة؟ عندما بدأ تاريخ الاتفاق في 27-11-2024 بعد معركة أولي البأس كان يُفترض أن تتسلّم السلطة المهمة واستلمتها بكاملها وبدأت باتصالاتها وعملها، لكن ماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. المقاومة أوقفت مشروع العدوان، هذا ما فعلته. لم تُحقّق أهدافه ولم تُمكّنه من تحقيق الأهداف بالتعاون مع المجاهدين والناس والشرفاء وكل المقاومين. المقاومة أثبتت أن الجحافل التي يمتد عديدها إلى 90 ألف جندي وضابط إسرائيلي عدو، لم يتمكن من تحقيق أهدافهم في كسر المقاومة وإنهاء وجودها وتثبيت الاحتلال الإسرائيلي وإقامة المستوطنات في لبنان. هذا ما فعلته المقاومة إن كنتم تسألون، مع هذه المواجهة الكبيرة والضخمة. من نواجه؟ نواجه إسرائيل التي تدعمها أمريكا بكل الإمكانات الاستثنائية التي لا حدّ لها. والله عندما نتحدث عن هكذا مقاومة نقول: ما أعظمها، ما أشرفها، ما أقواها، ما أصلبها، ما أثبتها، ما هؤلاء المقاومون الشرفاء العظماء الثابتون العاملون المضحون الذين تمكنوا من مواجهة هذه الجحافل الضخمة ولم يتمكن هؤلاء الأعداء من تحقيق الأهداف التي يريدونها. فليعلموا جيداً مع هؤلاء المقاومين، مع شعب المقاومة، مع هذه الروحية العظيمة، مع دماء سيد شهداء الأمة والشهداء، مع هذه التضحيات الكبرى التي قُدّمت إلى الآن، لا يمكن إلا أن نستمر ولا يمكن أن نُهزم وسنستمر إن شاء الله وهيهات منا الذلة.

 

تحدثنا سابقاً بأنّ أسلوب المقاومة في المواجهة هو أسلوب الكر والفر وليس الثبات في المكان. مع ذلك أوقف المقاومون تقدّم الألوية وعشرات الآلاف من جيش العدو، مع كل القصف والتدمير بمختلف أنواع الأسلحة. نحن واجهنا في مناطق عديدة وثبتنا كمقاومين ومقاومة بقدر ما يسمح الميدان وطريقة عمل المقاومة. ثبتنا في بنت جبيل والخيام وعيتا الشعب والناقورة والبياضة وعلي الطاهر، وفي كل مكان كان فيه مقاومة في الجنوب استطعنا أن نقف بحمد الله تعالى كمقاومة فترة مهمة من الزمن، وبعد ذلك عندما يعسر المحافظة على المكان وتكون التكاليف أعلى، يتراجع الإخوة إلى أماكن أخرى ويعودون إلى صيغة الكر والفر. في علي الطاهر الصمود ثلاثة أشهر، في كل مكان من الأمكنة التي ذكرتها والتي لم أذكرها الصمود كان أشهر. لكن ليست المحافظة على المكان هي الأساس أو هو العمل الذي نقوم به. في النهاية يجب أن نعلم جيداً المقاومة تواجه من خلال أمرين أساسيين: الأول أن تواجه في المكان والزمان إلى الحد الممكن بحسابات الربح والخسارة. ثانياً أن تمنع العدو من الاستقرار وتثبيت الاحتلال. وهذا طبعاً يحصل بمجمل العمل الذي نقوم به. هذان الأمران يؤديان إلى التحرير مع الوقت الذي تنضج فيه الظروف. وبالتالي في كل المواجهات نُوقع في العدو الخسائر، نبذل التضحيات وبروح استشهادية وبخطة ودراسة، وفي آنٍ معاً نحرص على أهلنا ومناطقنا. مسؤولية القيادة أن ترسم الخطوات التي قد لا تكون واضحة للناس ومعروفة للناس ولكنها تتوضّح مع الزمن، وهذا أمر طبيعي، لا يمكن أن يكشف الإنسان أسراره في كيفية إدارة المعركة وطبيعة المعركة. بقينا 15 شهراً عندنا صبر وكان الكلام من هنا وهناك: ماذا تفعلون؟ كيف لا تقاومون؟ لماذا لا تقاتلون؟ ثم فوجئ الجميع بالاستعدادات والإمكانات في معركة العصف المأكول. هذا يعني أن السكوت عن بعض التفاصيل له علاقة بطريقة إدارة المعركة وعدم إعطاء العدو المكسب الذي يريده في الوقت الذي نبذل فيه ما نستطيع ضمن خطوات المقاومة. نحن واثقون بنصر الله تعالى، واثقون بوعده، هو القائل: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}، وسيأتي إن شاء الله بصيغته التي يحبها الناس ويعشقها الناس، بالصيغة المادية المباشرة بالتحرير إن شاء الله تعالى.

 

إذاً، أين هي المشكلة في مواجهة العدو الإسرائيلي؟ المشكلة هي بالعدوان وليست بالمقاومة كما يقول البعض. عجيب أمرهم، يقولون المقاومة جذبت العدوان، بالأصل لم تنشأ المقاومة إلا بسبب العدوان، فإذاً العدوان هو السبب، العدوان هو المشكلة، اتجهوا إليه. قال: والله المقاومة لم تستطع أن تمنع العدوان، ما هو عدوان؟ كيف ستمنع العدوان؟ يجب أن تواجهه، يمكن أن تمنعه، يمكن أن تأخره، يمكن أن تصل إلى خطوات متدرجة تربح فيها مع الزمن، يمكن أن يقصر الزمن، يمكن أن يطول الزمن، هكذا تعمل المقاومة. لا يُقال للمقاومة ما زال العدوان، ما هو عدوان يجب مواجهته. وإلا الكلام بأننا يجب أن نخضع للعدوان حتى يتوقف، أي أنتم تقولون نريد الاستسلام. الاستسلام للعدو الإسرائيلي يعني انتهاء لبنان العيش المشترك لصالح المستوطنات الإسرائيلية والتوطين والوصاية الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي وخطوة على طريق إسرائيل الكبرى في المنطقة. إذا كان بعضهم يقبل ذلك فنحن لا نقبل، والبلد بلدنا معاً ويجب أن نتفق ولا نفرط بشبر واحد من 10452 كيلومتر مربع، وأساس البلد ودعامة البلد ومستقبل البلد هو جنوب لبنان. أين الدولة ذات السيادة أيها السياديون؟ لا يقال لنا انظروا ماذا فعل العدوان لأنكم تقاوموه، بل لماذا لا تقاوموه أنتم؟ ولماذا تتنازلون؟ ولماذا على الأقل لا تتحدثون ضدّه؟

 

في الحقيقة نحن نعتبر أن ما حصل اليوم في معركة العصف المأكول بحمد الله تعالى قد وصلنا إلى مرحلة أوقفت هذا العدوان ببشاعته المطلقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال اتفاقها مع أمريكا، وبالتالي مذكرة التفاهم، هي التي خفضت من مستوى التصعيد إلى المستوى الذي نراه اليوم.

 

إذاً هذه المقاومة استطاعت بالاستفادة من الإمكانات المتوفرة أن تصل إلى مرحلة تحدّ من حركة العدوان. المطلوب أيضاً عمل أكثر ونتائج أكثر. كل الضغط اليوم على لبنان من أجل أن يُنجز ما عجزت عنه إسرائيل لمدة سنتين. لاحظوا ماذا يطلبون: على الجيش اللبناني أن ينزع السلاح! بقيتم سنتين تحاولون أن تنزعوا السلاح ولم تستطيعوا أن تنزعوا السلاح، لماذا تطلبون من الجيش اللبناني؟ ما علاقتكم أنتم بالسلاح؟ قال: من أجل أمن إسرائيلي. الأمن الإسرائيلي موجود ومتحقق وأنتم عملتم ما تريدون. وبالتالي الطلب من الجيش اللبناني أن يكون أداة لديكم، هذه طويلة على رقبتكم، هذا الجيش جيش وطني، الناس في لبنان يتفاهمون مع بعضهم، ليس أنتم من تفرضون ما تريدون.

 

ليكن واضحاً: لبنان بلا مقاومة يزول. العدو يريد كل لبنان، منع قوته ويريد أن يمنعها ويضربها بالكامل، يريد الفتنة في الداخل اللبناني، يريد اتباع سياسات تؤدي إلى أن يكون لبنان مُلحقاً بالإدارة الأمريكية الإسرائيلية. لا يمكن أن يبقى لبنان إلا بتحريره ووحدته وتعاون مكوناته. ومن يراهن على أن يبقى له جزء من لبنان مقابل التخلي عن الجزء الآخر من الأرض أو الشعب فهو واهم. لبنان واحد وسيبقى كذلك أو لا يكون. ليس عندنا نحن لبنانات، عندنا لبنان واحد، يجب أن نعمل كلنا مع بعض حتى يكون لبنان واحد، وهؤلاء الجماعة لا يدخلون بيننا.

 

ثالثاً: اتفاق الإطار هو تنازل مخزي من قبل السلطة اللبنانية عن كل الأوراق التي يمكن أن تملكها هذه السلطة ويمكن أن تستفيد منها في محاولة تحصيل حقوق لبنان. اتفاق الإطار قدّم في لحظة واحدة وفي جلسة واحدة كل ما يمكن أن يتحدث عنه لبنان أو أن يقول عنه لبنان لمصلحة العدو الإسرائيلي وكما يريد العدو الإسرائيلي. لقد تنازلت عن كل عوامل القوة دفعة واحدة وقدمت كل مطالب العدو دفعة واحدة. السلطة تساعد المشروع الإسرائيلي الأمريكي بدل أن تواجهه. يقولون: نحن لا نستطيع أن نواجهه، إذاً اصمتوا، لا تعلنوا شيئاً، لا تعطوه موافقات، قولوا لسنا قادرين. لا، يُعرّضون أكتافهم ويأخذون قرارات ضد شعبهم ويقسّمون البلد قسمين ويعملون كل المنكرات على قاعدة أن ترضى إسرائيل، وإسرائيل لا ترضى، لا ترضى إلا عندما تمسح الأرض بكل الذين يتعاملون معها. وكذلك أمريكا، أمريكا لا يوجد أهون من أن تقول: أنا لا أقدر الآن أن أضغط على إسرائيل، ساعدوني. كيف نساعد؟ قال: امسحوا المقاومة حتى أنا أُقنع إسرائيل. معنى ذلك هم يأتون بالسياسة ليستخدموا قوة الحرب وقوة الاعتداء وقوة الاجرام الذي تستعمله إسرائيل العدوة.

 

حان الوقت لكي نفهم ونعرف، هذه السلطة هي المسؤولة عن استمرار الوضع الأمني المضطرب نتيجة الاعتداءات لأنها تراهن على أميركا وإسرائيل ولا تستفيد من عناصر القوة الداخلية، لا تستفيد من المقاومة ولا تستفيد من صمود الأهالي ولا تستفيد من التضحيات. اليوم الأغلبية الساحقة من اللبنانيين والقوى السياسية أعلنوا أنهم ضدّ الاتفاق، أهذا ليس كافياً حتى يُقال “وضعناه جانباً”.

 

جربت السلطة المفاوضات المباشرة بسبع جولات، ماذا كانت النتيجة؟ لا عرف إذا هناك تحت الصفر، تحت الصفر وليس صفراً، في هذه الجولات المختلفة. يقولون: الرئيس له حق التفاوض، وهو يستخدم حقه. صحيح، حق الرئيس التفاوض، ولكن لا يحق له مخالفة الدستور والطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري، والتنازل عن حق لبنان وشعبه وجيشه في الدفاع عن أرضه، والتنازل عن مقاضاة المحتل. وهو المسؤول الأول عن العمل لحماية السيادة غير منقوصة. لا أحد يستطيع أن يأتي لتعابير حتى تصبح فكرة واضح أنها فاشلة. نحن ندعو إلى وضع حدّ للتنازلات، ندعو إلى المراجعة وتصحيح المسار التفاوضي. جمّدوا المباشر واذهبوا إلى غير المباشر. ارفعوا الصوت وتأكدوا أنكم ستكونون أعزة برفع الصوت. سيكون الجميع معكم عندما تدافعون عن سيادة لبنان وعندما لا تتنازلون عنها. نحن نريد الرئيس أن يكون حكماً وجامعاً وليس طرفاً. نريده أن يجمع اللبنانيين لا أن ينقسم اللبنانيون بطريقة عمودية خطيرة جداً كما هو الواقع. حاضرون للحوار ولكن كيف نحاور من حكم على المقاومة وشعبها بأنهم خارجون عن القانون؟ على الأقل أن تعترف أننا موجودون ضمن القانون؟ طبعاً نحن لا نعترف بهذا القرار بالأصل، لكن هناك مقدمات طبيعية حتى نجلس معاً. أين هي الأفعال التي تُقرّب المسافات وتؤدي إلى الحوار وتُلغي بعض الإشكالات التي كانت موجودة؟

 

أنا أحب أن أقول لكم شيء، وهذا تذكروه وسترونه أمامكم: لو اليوم أو غداً انسحبت إسرائيل من مكان أو وضعت خطة انسحاب أو قبلت بأي عمل من الأعمال الذي يؤدي إلى مكسب للبنان، هذا نتيجة المقاومة وثبات المقاومة ومذكرة التفاهم وعجز إسرائيل وليس نتيجة الاتفاق التفاوضي. اسمعوا هم ماذا يقولون الذين يدخلون في الاتفاق التفاوضي؟ هم يقولون أن أي عمل سيكون لمصلحة حزب الله. نعم، اليوم إن شاء الله تظنون أنه إذا قدموا التنازلات معنى ذلك أنهم تراجعوا، لا، هم بسبب المقاومة وبسبب هذا الصمود لهذا الشعب وليس بسبب الاتفاق الذي لن يعطينا شيئاً حتى لو انسحبت إسرائيل بالكامل تحت هذا العنوان، المهم الوقائع على الأرض.

 

رابعاً: شعبنا المقاوم أذهل العالم. مقاومونا الشرفاء قدموا أداءً أسطورياً من أروع الملاحم والصمود على مسرح المواجهة مع العدو الإسرائيلي. قادتنا دائماً في الميدان وما بدلوا تبديلاً. يا أهلنا يا أهل التضحية الذين لازلتم تعانون من التهجير والنزوح وتعانون من التضحيات الكبرى، نعلم تماماً أنكم نموذج للصبر وأنكم تعانون الكثير الكثير وتتحملون حفظاً للمسيرة واستمراراً على العهد. كان يجب على السلطة ولا زال واجباً أن تقوم بمسؤوليتها في الإيواء والتعويض وكل الواجبات التي تتعلق بالإعمار والترميم. إن شاء الله سنتابع ونضغط على السلطة حتى تقوم بواجبها. لكن أعلن لكم بأننا ملتزمون بتأمين الإيواء والترميم والإعمار بإمكاناتنا والتبرعات وتشجيع مساعدة الدول والمنظمات، وحث الدولة على أن تقوم بواجبها. أي هناك سلة يجب أن نحاول أن نعمل عليها، نحن جزء من هذه السلة، الجزء المتعلق بنا والذي نستطيع أن نعمله بشكل مباشر، أبشركم أننا قريباً جداً سنعلن عن مساهمتنا في مشروع للإيواء وسنعلن التفاصيل المرتبطة به، وأنتم تعلمون أن هذا كله نعمله رغم الحصار والتضييق الذي نواجهه من كل جانب حتى من السلطة بحجة القانون ومنع دخول التبرعات. على كل حال، نحن سنعمل، سنتابع. طبعاً هنا أخصص أهالي القرى التي دُمّرت بالكامل في جنوب لبنان بأنهم النموذج الحي لعطاءات الشرف والكرامة والعزة والإنسانية والتضحية. أنتم لا تقدمون البيوت فقط، أنتم قدمتم أبناءكم، قدمتم أنفسكم، قدمتم أطفالكم. والله هذا سيبقى ديناً علينا جميعاً وسنبقى إن شاء الله وإياكم في هذا المسرح الواحد.

 

هنا أشيد بالمبادرات الشبابية والأهلية التطوعية التي تساهم في إزالة آثار العدوان والتخفيف من معاناة المتضررين. وأحمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية ليس فقط عن الإعمار وإعادة الإعمار. أين الحكومة في الوضع الاقتصادي المتردي وغلاء المعيشة وضعف العملة اللبنانية وغياب أي تحسين في الخدمات؟ أين الكهرباء؟ أصبح لدينا وزارة عتمة وليس وزارة طاقة. أين وزارة الخارجية؟ نحن ليس لدينا وزير خارجية، نحن لدينا حكومة بلا خارجية. أين الأنشطة المختلفة؟ أين أموال المودعين يا أخي؟ ما هذه الدراسة التي تأخذ سنوات وسنوات وأنتم أصبح لكم سنة ونصف؟ أين نتيجة أموال المودعين؟ يا ريت تتحمسون للحديث عن أموال المودعين على قدر ما تتحدثون عن المقاومة وإرضاء العدو الإسرائيلي والعدو الأمريكي، كل خطبة تتحدثون فيها عن هذا الموضوع، حصرية السلاح والدولة هي التي عندها قرار الحرب والسلم. من يلاحقكم يا أخي على قرار الحرب والسلم؟ أأنتم “طالع بإيدكم” أن تقولوا حرباً أو تقولوا سلماً في الأصل، “ما طالع بإيدكم تعملوا شيء”، لا أحد ينتزعه منكم، اتركوا معكم قرار الحرب والسلم، نحن أصلاً ليس عندنا ولا نريده. أما حصرية السلاح، فقد قلنا لكم، عندما تريدون نحن حاضرون للحوار والنقاش، لكن في الأول حرروا الجنوب وليعودوا الأهالي، لأنه يخرج العدو ونحن نتفاهم مع بعضنا.

 

من حق الناس بناءً على هذا الوضع الصعب أن يتظاهروا، أن يعتصموا. من حق الناس أن يعبروا عن إشكالاتهم بكل الأساليب المشروعة التي تكون موجودة عادة للقضايا المعيشية والإسكان وإعادة الإعمار، ونحن معكم.

 

خامساً: الخطر هو على كل المنطقة، بل الخطر على العالم بأسره. أنتم شاهدوا أمريكا تحاول أن تتحكم بكل العالم، لم يعد هناك نظام عدالة عالمي، لا يوجد قانون دولي، تحاول أن تحتل أينما تقدر، اعتدت على إيران في وضح النهار وتستمر وتحاصر، لا يوجد ولا مبرر على الإطلاق سوى أنها تحاول “السلبطة” والسيطرة وأخذ المقدرات بحجج واهية. العدو الإسرائيلي يقوم بمجازر في قلب فلسطين المحتلة، في غزة خاصة، 75 ألف شهيد و175 ألف جريح، يا عمي أين هذا العالم الذي يريد العدالة؟ وطبعاً تحت رعاية وإدارة أمريكية كاملة، هذا العدو المجرم لا يتوقف عن هذا العمل. على كل حال الحمد لله، مشهد الأمم المتحدة يُبيّن أن هذا عدو منبوذ على المستوى العالمي، وليس فقط على مستوى مقاعد الأمم المتحدة، على مستوى الشعوب. تأكدوا أن هذه واحدة من الأمور التي ستسقط هذا العدو.

 

هنا نحيي موقف إيران البطلة الشهيدة المعطاءة، إيران التي قدمت السيد الإمام القائد الخامنئي قدس سره الذي يعتبر الرمز العظيم في ساحتنا وفي عملنا وفي مقاومتنا وفي الولاية، والقادة والشهداء والشعب، لكنها بقيت صامدة. هذا الشعب الإيراني شعب عظيم، هو والحرس والقوى الأمنية والقيادات والعاملين، وإن شاء الله الآن بقيادة آية الله السيد مجتبى دام ظله، إن شاء الله أيضاً تتقدم إلى الأمام. إيران ستثبت للعالم بأنها حمت العالم من هذا السقوط ومن هذا المهوار لمصلحة قوى المقاومة والإنسانية.

 

أما فلسطين فإن شاء الله تكون هي الرمز والواجهة للمستقبل مع كل هذه التضحيات لأن شعبها شعب عظيم مضحي معطاء، بالنهاية هو صاحب الأرض. وأما المحتل فلن يبقى إلا قليلاً بإذن الله تعالى.

 

هنا لا بدّ من تحية لأنصار الله في اليمن، لهذا الشعب اليمني العظيم، لمجاهديه، لشهدائه، لمسؤوليه، لأن هذا الشعب وقف إلى جانب فلسطين، إلى جانب إيران، إلى جانب لبنان، إلى جانب كل قضايا المنطقة. والآن هو يعمل حتى يتحرر من الضغط الاقتصادي والسياسي، وهذا حقه الطبيعي، الله عز وجل يمدكم بالقوة والعزيمة وإن شاء الله أنتم منصورون بإذن الله تعالى.

 

المستقبل لشعوب المنطقة. الشهداء الأبرار الذين انتقلوا من هذا العالم إلى العالم الآخر هم فتحوا الطريق ومهدوا الطريق للانتصار إن شاء الله تعالى. ليس انتصاراً محلياً فقط، انتصار أكبر وأوسع، الأمر يحتاج إلى صبر، ربنا ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى